محمد بن وليد الطرطوشي
375
سراج الملوك
ثم دعا بالطعام وأصحابي حديثو عهد بلين العيش ، وقد تجوعنا له ، فأتى بخبز وأعضاء بعير ، فجعل أصحابي يعافون ذلك ، وجعلت آكل ، وجعلت أنظر إليه يلحظنى من بينهم ، ثم سبقت منى كلمة ، تمنيت أنى سخت في الأرض ولم أقلها ، فقلت يا أمير المؤمنين : إن الناس يحتاجون إلى سلامتك ، فلو عمدت إلى طعام ألين من هذا ؟ فزجرنى ثم قال : كيف قلت ؟ فقلت : قلت يا أمير المؤمنين : لو تنظر إلى قوتك من الطحين ، أن يخبز لك قبل إرادتك إياه بيوم ، ويطبخ لك اللحم كذا ، فتؤتى بالخبز لينا ، وباللحم غريضا « 1 » . فسكن غيظه ثم قال : هاهنا رعت ؟ قلت : نعم ، قال : يا ربيع : إنا لو شئنا لملأنا هذه الرحاب من صلائق وسنابك - يعنى خبز الحوارى « 2 » - ولكني رأيت اللّه تعالى عاب على قوم شهواتهم فقال : أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِها [ الأحقاف : 20 ] ثم أمر أبا موسى بإقرارى على عملي ، وأن يستبدل بأصحابي . وقال قبيصة بن ذؤيب « 3 » . دعا عمر بن الخطاب عبيد اللّه بن سعد « 4 » - وكان على أهل حمص - فقال : علام يحبك أهل الشام ؟ قال : إني أحبهم فأحبونى ، قال : ما لك ؟ قلت : عبدي ، وفرسي ، وبعلي ، وخادمي . قال : فما ذا تلبس في الشتاء ؟ قلت : عصابة أشد بها رأسي ، وجبة وكساء ، قال : فما تلبس في الصيف ؟ قلت : قميصا وربطة . فأعطاني عمر ألف دينار . قال : خذها واستنفق منها ، وأعط منها ، قلت : لا أرب لي فيها « 5 » ، وستجد من هو أحوج إليها منى ، قال : خذها ، فإن النبي صلى اللّه عليه وسلم دفع إلىّ مالا ، وهو دون الذي أعطيتك ، فقلت له كما قلت لي ، فقال : يا عمر : ( ما آتاك اللّه من هذا المال ، عطاء من غير أن تعرض له ، أو تشرف له
--> ( 1 ) اللحم الغريض : الطري . ( 2 ) خبز الحوارى : الدقيق الأبيض . ( 3 ) قبيصة بن ذؤيب الخزاعي ، صحابي من الفقهاء والوجوه ولد في حياة النبي صلى اللّه عليه وسلم وكان على خاتم عبد الملك بن مروان بالشام توفى بدمشق سنة 86 ه ( الأعلام 5 / 189 ) . ( 4 ) لعل المقصود هنا ( عمير بن سعد ) فهو من تنطبق عليه هذه الصفات الواردة في النص والتي سبق الحديث عن مثلها في الباب السابق لهذا الباب . ( 5 ) لا أرب لي فيها : لا حاجة لي فيها .